محاضرة الأمين يوسف المسمارعن الشاعر
بوبليو السوري في مركز الدراسات البرازيلي
Conferencia sobre o poeta PUBLIO SIRIO
No centro de estúdios Brasileiros
بحضور
رئيس جمعية الصحافة في ولاية بارانا – البرازيل الدكتور رافايل دي لا لا
مديرة العلاقات الاجتماعية في جمعيتي الدراسات والصحافة الدكتورة ليوتا بفـيفـر
المحاضر يوسف السمار
مدير الشؤون الثقافية في مركز الدراسات البرازيلية الدكتور هيليو فريتاس بوغليوللي
التاريخ : نهار الجمعة في 15 أيار 2015 القاعة : دار جمعية الصحافة في كوريتيبا – ولاية بارانا-البرازيل
بدعوة من مركز الدرسات البرازيلية ، ودار الصحافة في كوريتيبا عاصمة بارانا القى المؤلف يوسف المسمار في 15 أيار 2015 محاضرة عن الشاعر السوري بوبليو السوري ، وذلك بعد صدور الكتاب الذي أعده تحت عنوان”حكم الشاعرالمنسي بوبليو السوري” وهو عبارة عن الحِكَم الانسانية التي نطق بها الشاعرالمولود قبل ولادة السيد المسيح ب 85 عاماً في مدينة انطاكية في سورية.
المحاضرة نشرت في صحيفة أغوا فيردي البرازيلية التي تصدر في كوريتيبا وهذه ترجمة ما جاء في المحاضرة :
الشاعر بوبليو السوري شرّف أصله السوري
“لا شيء يمكن الحصول عليه من لاشيء. وأهم ما ينتج عن اللاشيء هو ضياع الوقت وخسارة الجهد.
ومن يُضيع وقته ويخسر جهده لا يحصد الا الهباء. فلا شيء يمكن ان يكون من دون أصل ولاشيء يمكن أن يبقى اذا انفصل عن الأصل والجذور .
فلولا الماضي لما كان الحاضر.ومن دون الحاضرلايمكن ان يكون هناك مستقبل. فالحاضر هو الماضي الذي كنّاه ، والمستقبل هو الحاضر الذي نكونه الآن وسوف نكونه غداً.
فاذا كان ماضينا نوراً فلا قوة تستطيع أطفاء هذا النور ولو تلبدت في فضاء حاضرنا غيوم ظلمات الدنيا أو أغمضنا عيوننا وبصائرنا وحجبناها عن رؤية منائر تاريخنا الحافل بكل ارث جميل .
فالجمال يبقى جمالاً في عيون من يتذوق الجمال . والحكمة تستمر حكمة عند أهل الصلاح . والفضيلة تدوم فضيلة ما دام في هذا الوجود أفاضل ويعشقون الفضيلة .
فاذا كان الوجود الطبيعي هوالصحيح الصالح الكامل الذي لايمكن ان يكون تطوّره الا صلاحاً وصحةً وكمالاً ، فلن يكون بمقدور الاصطناعي اوالصدفي اوالدعائي التلفيقي أن يحجب الطبيعي الصحيح الصالح وينال من ثماره النافعة الى ما لا نهاية .
فالحياة جميلة محبوبة ، والموت قبيح مكروه ، والتاريخ هو فقط تاريخ الحياة الجميلة المحبّة.
وتاريخ الحياة الجميلة المحبّ مستمرٌ دائم بارادة الخالق الدئم الجميل المحبّ.
أما الموت فلا تاريخ له مهما توهم الواهمون أن له تاريخ. التاريخ هو تاريخ الأحياء فقط .
أما الأموات فلا تاريخ لهم لا في هذه الحياة ولا بعد هذه الحياة . ووحدهم ابناء الحياة هم الذين يمارسون الحياة ويفعلون في مماتهم كما في حياتهم بما انتجوا من مواقف وسنن وأفكار وحِكَم وأعمال وابداعات جعلتهم أحياء خالدين رغم توالي القرون والعصور.
من هؤلاء الأحياء الخالدين هو الشاعر السوري الحكيم المجهول الاسم الذي أخذ أسيراً الى روما مع الكثيرين من أقرانه وأبناء شعبه بعد انكسار جيش سورية في ذلك الزمن، وبعد أن قتل كل من يستطيع حمل السلاح من النساء والرجال من السوريين الذين قاموا يومها بالدفاع عن الوطن السوري والسيادة السورية.
والجدير بالذكر ان الجيش السوري في ذلك الزمن لم يكن جيشا ذكورياً يضم الرجال فقط ، بل كان جيشاً سورياً بالمعني الحقيقي لجيش الشعب السوري الذي قوامه النساء والرجال.
وقادته لم يكونوا رجالاً وحسب بل كان قادته من ملوك وأمراء وضباط وصفوف ضباط وطلائع وجنود من النساء والرجال أيضاً .
ولذلك بعد سقوط غالبية جنود الجيش السوري بين قتيل وجريح من النساء والرجال كان لا بد من أن ينهض اطفال سورية للدفاع عن حريتهم وبلادهم حيث استشهد الكثيرون منهم ، وأصيب الكثيرون وأسر الكثيرون .
ومن بين هؤلاء الأسرى الأطفال الذين اقتيدوا الى روما كعبيد كان الطفل الذي لم يبلغ الثانية عشرة من العمر هو الشاعرالحكيم المنسي “بوبليو السوري” الذي ترك كماً هائلاً من الأقوال المأثورة،والحكم النادرة والآيات البليغة التي يرددها الناس كثيراً من غير أن يعرفوا قائلها ومبدعها.
لقد عُذّب كثيرأً هذا الطفل مثل غيره من أطفال سورية ذكوراً واناثاً الذين حُملوا أسرى وعبيداً الى روما ووُزِّعوا خدماً على وجهاء روما ، وتحمّلوا الكثير من الاضطهاد المادي والمعنوي . وكان أسياد روما يطلبون من الاطفال القيام بالاعمال القاسية الصعبة الزراعية منها والصناعية ، وأعمال النقل وحمل الأحمال الثقيلة التي يعجز الكبار عن تحمّلها فكيف بالاطفال الصغار ، ويفرضون عليهم العمل في ظروف الحر والبرد القاسية بالاضافة الى الاحتقار والازدراء والاهانات والشتائم والسخرية الى ما هنالك من النعوت التي لايليق بالانسان العاقل المتحضِّران يستخدمها مع أخيه الانسان .
ومن نعوت الازدراء التي كانوا ينادون بوبليو السوري بها “يا هذا. يا غشيم .يا بهيم. يا سوري . ياحمار. يا أخرس وغيرها من النعوت “. وربما تكون كلمة يا أخرس التي تعلم معناها فيما بعد هي التي دفعته الى أن يعمل في حقل المسرح الصامت الساخرالذي برع فيه في كل حقول التأليف والكتابة والارتجال والتمثيل. والذي هو أي بوبليو السوري في الحقيقة ابوالتمثيل الصامت والمسرح الساخر حيث سبق الممثل الصامت (شارلي شبلن) في هذا المجال بما يقارب ألفي عام.”
“ومن القصص التي أحب أن أرويها على مسمع الحضور الكرام هذه القصة التي حدثت مع الطفل السوري وسيّده وهي ان جاء ذات يوم سيّد بوبليو السوري ليتفقد عمله فوجده متوقفاً عن العمل المكلّف به شارداً حزيناً هزيلاً تكاد الدموع تفر من عينيه فانتهره السيّد الروماني بحدّة : ” لماذا توقفت عن العمل يا سوري ؟ يا أخرس . هيا تابع عملك . ما بك ؟“.
فأجابه بوبليوالسوري بكل هدوء وبدون انفعال:
“ليس هناك سعادة دائمة يا سيّد بل ان كل سعادة هي عابرة “.
هزّت هذه الكلمات القليلة ضمير سيّده فأحس فجأة أنه أمام طفل عزيز موهوب غير عادي ، وأن عليه أن يغيّر لهجته ومعاملته له . فقال له : ” اذهب وخذ شيئاً من الراحة يا سوري ولا تجهد نفسك بعد اليوم”. ثم ذهب الى زوجته وحدّثها بما حصل معه مع هذا الطفل السوري وردد على مسمعها ما قاله بوبليو وأضاف على ذلك تعليقا منه وقال “ربما كان هذا الطفل من أسرة عريقة مهمة وذات شأن في انطاكية وقد سيق عبداً الى هنا بعد ان قُتل ابواه في الحرب. ينبغي ان نغيّر معاملتنا له “، فأحست الزوجة بنفس احساس زوجها وتغيرت المعاملة من القساوة الى اللطافة ، ومن الاهمال الى العناية . وحين سأله السيّد اذا كان يحب ان يذهب الى المدرسة لتعلم اللغة الجديدة كان جوابه بالشكر والايجاب.
ومنذ ذلك اليوم صار سيده يناديه:”بوبليليوس”وهي تعبير لطيف ينادى به الأطفال بمعنى “يا صديق أو يا حبوب أو يا لطّوف “.
ونتيجة للمعاملة الجديدة اللطيفة صار بوبليو أكثر انتاجا في خدمته وعمله عند سيده، واكثر احتراما لسيّده وزوجته حتى انه صار يقوم بالخدمات والاعمال من دون ان يُطلب منه ذلك ، ويهتم بأموال السيّد كما لو كانت أمواله وأعز. وصارت سيدته وسيّده يحبان الحديث معه ويستئنسان بوجوده ويعتنيان به عناية خاصة. وصارت حياته تتحسن يوماً بعد، وصارت نتيجة دروسه تتقدم من جيّد الى أجود.وصارالسيّد الروماني يتقبل تهنئة أساتذة بوبليو تهنئة بعد أخرى مما جعله فخوراً وسعيداً بما فعل .
وذات يوم سأله سيّده :” كيف حالك اليوم بعد دخولك المدرسة يا عزيزي ؟”فأجاب بوبليوعلى الفور:
“كل شيء على ما يرام يا سيِّد ليس هناك تعاسة دائمة، بل كل تعاسة هي عابرة ”
“لقد قلت في بداية كلامي ان لا شيء يمكن ان يكون من دون أصل ، وبوبليو السوري الذي يحمل الاسم السوري هو من سورية التي قال بشأنها عالم الآثار الفرنسي مديرمتحف اللوفر سابقا أندريه بارو:
“لكل انسان متحضر في هذا العالم وطنان وطنه الأم وسورية ”
والتي قال عنها العالم الاجتماعي والفيلسوف السوري أنطون سعاده :
“ان الشعاع الأول للشرائع التي يسير عليها البشر ظهر في سوريا ، وأخذ يمتد من هناك الى العالم حيث أخذه المفكرون مثالاً نسجوا عليه وأضافوا اليه ما قضت الحال به، ولا يزال ذلك الى عصرنا هذا “.
الوطن الثاني للانسان المتحضر الذي عناه أندريه بارو هو وطن الحضارة حيث بزغ أول شعاع للحضارة في سورية بلاد الشام والرافدين . وكلمة سورية تعني نور الحضارة التي وزّعت أشعة معارفها وعلومها وحِكَمها على جميع
البشر.ولذلك تحوّل اسمها من”آرام”التي تعني المكان الأرضي المحوري الدليل أي المفرق الذي يرشد العابرين الى حيث يقصدون .
نعم تغيَّر اسم آرام من”آرام”الى اسم”سورية”التي تعني الى جانب كونها علامة دليل ومفرق لسكان الآرض باتجاهات قاراتها الى فتح طريق جديدة باتجاه السماء، فتصعد الأرض الى السماء بعلوم أبناء الأرض وحِكَمِهم وفضائلهم ، وتنزل السماء الى الأرض رسالات هداية عرفاناً بقدراتهم على حمل امانة الجدارة والابداع ،وحمل مشعل النور الحضاري الذي قال عنه السيد المسيح :
” يجب أن يُرفع النور لا أن يُوضع تحت المكيال “.
ان البيئة التي وُلد فيها الشاعر بوبليو السوري وآباؤه وأجداده هي نفس البيئة التي وُلد فيه السيد المسيح ووالدة السيد المسيح مريم العذراء،ووُلد فيها اعظم عباقرة البشر قبل السيد المسيح . وهي هي نفسها البيئة الكنعانية التي تحدر منها النبي محمد، ومنها لا من غيرها انطلقت الى
العالم كله رسالة المحبة المسيحية ،ورسالة الرحمة المحمدية الاسلامية ولا تزال ترفد العالم بكل فكر ابداعي جديد .
انها بيئة مهد الحضارة التي ما قدّمت للانسانية الا كل جميل وكل خير وكل نافع.
ومن المستحسن في هذه المناسبة ان نستذكر ” شاعرة الحب السورية بعليت ” التي ولدت قبل ولادة السيد المسيح بستماية وخمسين عاماً والتي كانت فلسفتها تتلخص بان
“الأهم في الحياة أن يكون الانسان محبوباً ”
الى أن جاء الشاعر الحكيم بوبليو السوري ليقول :
” يجب أن تُحبَّ حتى تكون محبوباً ”
ليطلع علينا وعلى الدنيا بكاملها بعد ذلك السيد المسيح بخلاصة قول الحق :” يجب أن تمارسوا المحبة ” اي سواء كنتم محبوبين او غير محبوبين لا طمعاً بمكسب ولا رغبة بتعويض . فحقيقة ممارسة المحبة التي دعا اليها السيد
المسيح لا تكون طمعاً بثواب ولا خوفا من عقاب ، بل هي الروح الحقيقية للحضارة والحقيقة التي انطلقت حِكَمُ الشاعر بوبليو السوري منها ، وهذا ما جعل المترجم الخبيرباللغة اللاتينية الدكتورماريانو كريكويسكي يعلق على كتاب حِكَم الشاعر بوبليو السوري بعد صدوره بالقول “ان تلك الحِكَم بما تكتنزه من عمقٍ وحدَّة بصيرة يصح تطبيقها بكل سهولة على أوضاعنا في هذه الأيام في حالتنا الحاضرة التي تفتقد الى مظاهر وروح الفطرة السليمة الحكيمة …”
بعد الانتهاء من المحاضرة قرأ الاستاذ الجامعي مدير الشؤون الثقافية في مركز الدراسات البرازيلية الدكتور هيليو فريتاس بوغليوللي بعضاً من أفكار وحكم وأقوال الشاعر بوبليو السوري ختمها بهذه الحكمة البليغة :
” أفضل التنافس عندما يكون في اللطافة والصلاح ”
وقد نشرت هذه المحاضرة في كتاب : “ عاصفة من حقائق ”