الرئيسية / مقالات / أيها الجيل الثائر في لبنان

أيها الجيل الثائر في لبنان

أيها الجيلُ الثائرُ في لبنان

من يَـتّبِعُ الهدايةَ ينجح ،

ومن يسقطُ في العماوةِ يرزح

 

كتبت في الاسبوع الأول لبداية الحراك في الكيان الشامي السوري مقالاً تحت عنوان : ” لا اصلاح إلاَّ بالصلاح ” نشر في كتاب أصدرته في البرازل تحت عنوان”أضواء سورية قومية اجتماعية” بتاريخ 12 /06 / 2011 من وحي العالم والفيلسوف أنطون سعاده القائل ” ان طريق الاصلاح في العمل ، في العمل ، في العمل لا في تشييد القصور في الهـواء وتسويـد الأوراق بالمـداد . عليك أن تصلـح نفسك أولاً ولكن بالعمل لا بالوهم وبعدئذ يمكنك أن تصلح سواك عن خبرة ومعرفة “.

وأرى من الفائدة أن أذكّر الرفيقات والرفقاء والجيل الثائر في لبنان في هذه الأيام العصيبة بالمقال لكي لا تنتقل عدوى همجية الحراك ووحشيته من الكيان الشامي الى الكيان اللبناني الذي كان من انتاج وتخطيط واعداد وتنفيذ العقل الصهيواميركي الذي رعاه في جميع مراحله ولا يزال يرعاه بكل اهتمام وعناية تنفيذاً واشرافاً ومتابعةً لتغييب المسألة الفلسطينية وانهائها والقضاء عليها انتصاراً لنجاح الخطة اليهودية الصهيونية المدعومة من محور الشرور الذي تقوده حكومة الولايات المتحدة الأميركية ، المحور المعشش في داخل بيئة أمتنا والممتد الى الجوار وكل مكان في العالم .علّ في هذا المقال عن الاصلاح ما يوقظ البصائر الى الطريق الفعلي للاصلاح الحقيقي فنتّبع الهداية فننجح ، ونتجنب العماوة ولا نرزح في أقبيتها المظلمة العفنة القاتلة للارواح والنفوس والعقول :      

لا إصلاح إلا َّ بالصلاح

 

مخطيءٌ من يعتقـد ان الاصلاح يكـون بالكلام والتنظيـر وكثـرة المطالب والالحاح بسرعة الاستجابة . ومخطيء أكثر من يتوهم أن الاصلاح يتحقـق بمسيرات الشوارع والصياح والضجيج وتخـريب المرافق العامة والخاصة والاعـتـداء على المـواطـنين باسم الـثـورة . فالـثـورة لا تكـون بالتخريب ، بل بالبناء . ولا تتحقق بالكلام ، بل بالأفعال .ولا تتقدم بالمنى والأحلام ،بل بارتقاء الفكر وقوة الإرادة . واذا كان ما يميز الانسان عن الحيوان هو العقل ، فان العقل يبقى ويستمر هو الشرع الأعلى في الوجود .والله ما وهب الانسان العقل باطلا ً،ولا جعله سيد الخليقة عبثا ً.ولا اختصه بالرسالات السماوية والدنيوية سدى.ولا منحه موهبة التفكيروالتبصروالتمييز والاختيار والقدرة على الاقدام والفعل بعامل صدفة . بل ان الله جهـّز الانسان بكل تلك الخصائص والميّزات ليرفعه بها من ادنى الدركات التي هي ما دون البهيمية المنحطة الى اعلى الدرجات التي تتخطى وتتجاوز مستويات الملائكية الراقية . فاذا قصَّر عقل الانسان في وظيفته ، انحط فكره ، وساءت ارادته واستقر في مستـنقع التوحش منفعلا ً وغير فاعل ولا يمت بصلة الى أي نوع من أنواع الحضارة . أما اذا قام عقـله بوظيفته كما ينبغي وكما اراد واهب العقل ،فانه يحمل الانسان على اليقظة ، واليقظة تقود الى الوعيّ ، والوعيّ يحرك فيه الفكر ، والفكر يندفع باتجاه الرقيّ فيرتقي، ويرتقي مستوى فعل الارادة من الفعل الزائل الذي يزول بزوال الفرد الى مستوى فعل الارادة الدائم الذي يستمر باستمرار سير حياة المجتمع، فتنشأ بذلك الحضارة التي ترتقي فيها الحياة الانسانية وتعود بالخير على

المجتمع، وبالتالي على افراده في جيلهم الحاضروالاجيال التي تلي.

لكن اذا كان استقـرار الحالة البدائية البشرية يقـوم على ركـودها ونمطـيتها الـروتينيـة ، فان استقـرار حالة الحضـارة لا يكـون الا بديناميتها الحركية المتجهة دائما الى التقدم والمـزيد من الرقيّ . وعندما تختـل حركية الحضارة بأحد العوامل الداخلية او الخارجية او الطبيعية كحصول تقصير او اهمال عن قصد او غـيـر قصد في مؤسسات مصالح المجتمع او في ابنائه من الداخل ، او في خضوع المجتمع لحروب وغزوات واحتلالات تجتاحه من الخارج ، او في تعـرضه لكـوارث طبـيعـية لا قـدرة لـه على مواجهتها،فان المجتمع في هذه الحالات يصاب بالتخلخل والخراب ويفقد كثيـرا من حيـويته ويصبح بحاجة كبـيـرة الى كـل عـمليات الاصلاح الـتي تـتطلبها الحضارة والمدنية .

وهذا ما أصاب أمتنا وجلب على شعبنا ويـل الانحطاط والتقهقـر بعـوامل التفكك الـداخلي والغـزوات الخارجية بعـد ان كانت أمتـنا هي الأمـة الـرائـدة في شـق طـريق الحضارة والتمدن . وقـد اثبت التاريخ ان الأمم الحيَّة هي وحدها القادرة على مـواجهة وتجاوز الصعاب والمحن، وانقـاذ نفسها وانتصارها في معـركة النهـوض والتقـدم، واحتلال مكانها اللائق بين الأمم . لكن الانقـاذ لا يكـون ، والاصلاح لايتـم الا بتوفـر شـرطين اساسيـين مهمين لا يمكن الاسـتـغـنـاء عن أيٍّ منهما ابـداً هـما : العـقيـدة الصحيحـة الـواعية الهادفـة ، والبطـولة المـؤمنة الصادقـة العاملة والمؤيَدة بصحة تلك العقيدة.

أما العقيدة الصحيحة فانها تعني في العمق الفكـر الـراقي الحكيـم الهادف، والارادة الفاعـلـة الـتي تحقـق ذلك الفـكـر الراقي الحكيم . فالعقيدة هي فكر وإرادة .

وأما البطولة المؤمنة الصادقة فانها تعني القيادة الصالحة والشعب العظيم الـذي يمتاز أبناؤه بثقافة واعـية راقية ، وبانتاجية فكـريـة وعلمية وفـنية وصناعية وزراعية مبدعة،وبنفسية شجاعة عطائية لا تبخـل حتى بالدماء من أجـل تحقيق الأمر الذي يساوي وجودها. ألا وهـو مصلحة الأمـة التي هي قـبـل وفـوق كـل مصلحة جـزئيـة داخلية أو مصلحة عدوانية خارجية ، والتي بتحقيقها تـتحقق جميع مصالح المواطنين الأحياء في جيلهم الحيّ وجميع الأجيال القادمة.

فمثلث العـقيدة الصحيحة والقيادة الصالحة وجيل الشعب الصالح هو فريق الصلاح الذي لا يمكن ان يتحقـق أي اصلاح بـدونه .

الصالح وحـده يستطـيـع أن يصلـح ، ومن المحـال ان يتمكن الطالح من ذلك . لأن الانـاء ينضح بالـذي فـيه . فقارورة العـطـر لا تنضح الا عطرا ً ، وقازورة النتن لا تعطي الا رائحة كريهة . والمواطنون الصالحون الأمناء هم خميرة صلاح وأمانة.اماالمواطنون الفاسدون الخـونة فلا يـؤمل منهـم الا الفساد والخـيانة . ووحدهم الأصدقاء وأصدقـاء الأصدقـاء وأعـداء الأعـداء ألصالحون يمكن أن يُنتظـر منهم خيـرا ً ونفعا ً . أما الاعـداء وأصدقاء الأعـداء وأعـداء الأصدقاء الفاسدون فلا يُنتظر منهم الا العـدوان والشـر والخـراب . لا اصـلاح بغـيـر صـلاح . والصلاح لا يعبّـرعنه الا بالعقيدة الصالحـة التي تـتـناول الأمة كلها وتاريخها الحـضاري منـذ كانت الحـياة الى ماسوف تكون مجتمعا ً واحـدا مـوحـدا لا فئات متـنابـذة ولا طوائف متـناحرة ولا كنتونات مناطقية متقاتلة.

وورشة الصلاح لا يستطيع الاشراف عليها تخطيطا ومراقبة وتنفيذا ومتابعة الا قيادة صالحة عبقـرية مبـدعـة بطـولية تعرف من أين تبدأ ،وكيف تتجه، والى أين تسير ،وعلى أية أرض تقـف. و تعـرف أيضاً ما هي العـراقيل التي تعـتـرضها،وما هي الامكانيات التي بحوزتها والمتوفـرة لها ، وما هي المُـثــُـل العليا التي تسعى الى تحقيقها . وكل ذلك بفكر منفتح خلاق، وبارادة مصممة حازمة لا تلين امام اغـراء او تـرهيب ، ولا تـُخـدع مهما كانت اساليب المنطـق باهـرة وبليغة وفصيحة وخادعـة .

والاصلاح ايضا ً لا يمكن ان يقـوم بـه وينجـزه عـلى احسن ما يكون، وافضل ما يمكن الا الفئـة الصالحـة المنظمـة القـويـة الحـرة التي تـقـوم بـواجبها في الاصلاح ، وتتحمل مسؤوليتها كاملة في الـدفاع عن حـق الأمة في الحياة الـراقية النامية الكـريمة ، ولا تـعـتدي على حقـوق غيـرها من الأمم .

الصالحـون وحـدهم رواد أصلاح . أما المجرمون الذين اعتـنقـوا عـقيدة الطلاح والفساد قـيادات وجـنـودا ً ويقـتـلـون أبناء أمتهـم ويمثـلون بجثـثهم ، وينفذون أوامر أعداء أمتـنا ويـدمـرون الـمرافـق العامـة والخاصـة ، ويعـرِّضون أمن الناس في بـلادنا للأخطــار، ويشاركون أعـداءنا المعتدين في القضاء على حضارتـنا ووجـودنا ، فانهـم خـونة مارقـون يعادل التساهـل معهم درجـة الخيانة .ومن يتساهـل معهم أو يـبـرر لهم فسادهم وأجـرامهـم أو يعـجـز عن مـواجهتهـم ووضـع حـد ٍ لإجـرامهم ،لا يـدرك حقيقة العـقيـدة الصحيحـة ،والقيادة الصالحة وطـليعة الصالحين من أبناء الأمة.

فاقطعـوا دابـر الخيانة بالقـضاء عـلى الـخـونة أيـهـا الـصالحـون تصلحـوا. واقـضوا على الـفســاد بـوضـع حـد للفاسديـن الـمفسديـن تـنجـحـوا . ولا تـتـنازلـوا عـن حـق أمتـنا في الحيـاة الـكـريمة تـتـقـدمـوا . ولا تخضعـوا لضغـط ظاهـره منطـق حـق وباطـنه تسويـق باطـل تـنـقـذوا الأمة من كـل ما يخطـط لهـا أعـداؤهـا بهـدف تـفـتيتهـا والقـضـاء عـليها .

ولا تـنخدعـوا بحـيـَل المـرائـيـن المنافـقـين الغـادريـن مهما تمسكـنـوا وتبـاكـوا ومالأوا وتـمظهـروا بأساليب البـراءة والطهـارة والعـفـة أمامكم .”فأفصح ما تكون القحباء حين تحاضر بالعـفاف” كما قال أديبنا الراحل سعيد تقي الدين ، وأبلغ ما تكون العاهرة حين تـتودد وتبكي ، وأخطر ما يكون العدو عندما يطلق عملاءه فيتظاهرون بالمسكـنة والمحاباة والممالأة والتـودد.

الإصلاح الحقيقي هونهضة الصالحين المصلحين الذين لا يحيدون عن طريـق الصلاح، ولا يتوقـفـون عن الإصلاح وترقـية الاصلاح حتى ولو وُضعت الشمس في يـمينهم والقـمر في يسارهم أو تراكمت جثـثهم الى عنان السماء .

وأهم خطوات الاصلاح هـوتثبيت سلامة وأمان أبناء الوطن وتحقيق وحـدة الأمة . وايقاظ إنسانها ،وتوعيتها ، وبعث نهضتها، وتجـديد حيويتها، وتحريك طـاقـات انـتـاجـها الـمبـدعة فكراً وعلماً وفناً وزراعـة ًوصناعـة ًوعـطـاء ًومقـاومة ًوتضحـية وإنـشـاء نـظـام أساسه الحـق والعـدل يسيـر بـهـا الى أسمى ما يـمكن ان تـتصوره نـفس بشر .

الصلاح هـو عـقـلية مناقبـية أخلاقـية واعية وراقـية تخطـط وتبني وتحقـق المـزيـد من الأصلح والأنفع . والإصلاح هـو عـملية تصليح تهدمُ الطالـح وتـرمّمُ الصالـح . تُـزيـل الخـراب وتُبقي على البنـاء. تحـارب العــدوان،وتعـزز قـوى الصمود وابـداع وسائـل الإنـتصار. وتسعى الى الخروج من المألوف الـراكـد الى ما هـو حسن ومفـيـد وفي كـلـتا الحالتين لا يكـون الـصلاح الا بالـصالحيـن ،ولا يـتحـقـق الإصلاح الا بـجـهـود الـمصلحـيـن الإصلاحين .

أما ان يُطالب بالإصلاح عـدوٌ باغي من خارج المجتمع، أوغبيّ خائن باع نفسه ويعيـث فسادا ً داخل مجتمعنا، فان في ذلك أفظع المهازل .

الصلاح والطلاح نيقيضان وعدوان لا يلتقيان لا في هذه الدنيا ولا في عـالم الغيـب . والطالحون الأشرار هم أعدء الصالحين الخيّرين وجـودا ً وحاضرا ً ومستـقبلا ً .

هناك عقيدتان في الوجود : عقيدة العدوان الوحشية على حقوق الافراد والشعوب واستعبادها ،وعقيدة احترام الأفراد والشعوب الإنسانية التي شعارها ما قامت عليه رسالة المحبة السورية المسيحة:” إفـعـلْ بالناس ما تـريـد أن يفـعـله الناس بك” وما ورد في القرآن الحكيم ” من قـتـل نفسا ً بغـيـر حق ، فكأنما قـتـل الناس جميعا ً”.

فانتصار عقيدة التوحش الفاسدة يعني القضاء على العقيدة الانسانية الصالحة . وانتصار العقيدة الانسانية الصالحة يعني الخروج من الظلمة الى النور ، ومن قبر التاريخ الى الحياة فنعرف عظمة الله الذي نعت ذاته بالحيّ الذي لا يموت .

فـلنقـضي على أعـدائـنا الطالحين الأشـــرار قـبـل أن يـقـضوا عـلينا ، فـنـنـقـذ بـذلك أنـفسنا ونـنـقـذ الأمم من ويـل عقائد الفساد والفـتن ، وشر الفاسدين المـفـتـنـين، ليبقى شـعار الحياة الجميلة الراقية : لا إصلاح إلا بالصلاح . ولا سبـيـل الى الإصلاح قبـل القضاء على نفـوذ المجـرمين الفاسدين الذين كانوا ويستمرون سبب كل الويلات التي حلـَّت بأمتـنا .

لقد كانت سورية منبع رسالات الصلاح في العالم ولا تزال رائدة الصلاح القائم على الحق والعدل في هذا الوجود .

أيهـا المطالبـون بالاصلاح عـودوا الى سـورية مبـدعة رسـالات  الاصلاح ، وراجعـوا تاريخـهـا الحضاري ، وتعـلموا ان تكونوا مصلحين، ومارسـوا الصلاح فـكـرا ًوعـملا ً واستمرار ممارسة، فيكون في العمل الاصلاحي دليل على النفسية الصالحة الخيِّرة ، ويتـحـقـق الاصلاح .

البرازيل – كوريـتـيـبا في 12 / 06 /2011

وأضيف على ما كتبته في هذا المقال وأقول لأبناء شعبنا في لبنان :

ايها اللبنانيون الثائرون

أيها اللبنانيون المطالبون بالاصلاح والمالئون الشوارع والطرقات والساحات ومواقع التواصل كونوا صالحين في نواياكم واقوالكم وافعالكم ومواقفكم تحققوا الاصلاح ،وتقطفوا ثمار الاصلاح ،وتشقوا لأنفسكم ولأمتكم ولوطنكم ولكل الأمم طريق الاصلاح التي لا يمكن ان تكون أو تُشق أو تقوم أو تستمر أو تنتصر الاَ بالوعيّ الجامع السليم ، والنظام الصالح العام البديع ، والمناقبية الأخلاقية الراقية الشاملة ، والايمان الواعي الهادف الى تحقيق قيم الحياة السامية ، والنفوس الجميلة المُحبّة الرحيمة التي تترك للاجيال القادمة قاعدة انطلاق جديدة لأمتنا منهجُها الصراع المُحبّ الرحيم الأخوي الذي ليس فيه مجال للحقد والكراهية والبغضاء ، فتنهض الحياة العزيزة بنا وننهض بعزّ الحياة أمةً تكون رائدة بين الأمم .

الرفيق يوسف المسمار

مديراعلام عصبة الأدب العربي المهجري في البرازيل

إقرأ أيضاً

أطروحة دكتوراة في البرازيل : “أنطون سعاده والحزب السوري القومي الاجتماعي مشروع قومي (1932- 1945 )”

الى الرفيقات  والرفقاء الأعزاء في الوطن وعبر الحدود تحية سورية قومية اجتماعية بتاريخ 29 / ...